الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
85
نفحات الولاية
الكرات السماوية ) على المادة المذابة الأولى كان سببا لاستقرارها بالتدريج وكبح جماحها واضطرابها . كما يحتمل أن تكون هذه العبارات إشارة إلى الأمطار والسيول في بداية ظهور الكرة الأرضية ، بحيث شكلت محيطات متلاطمة ، إلّاأنّ هذه الأمواج أخذت بالاستقرار نسبياً على سطح المحيطات بفعل الجاذبية الأرضية . حتى أخذت تظهر اليابسة ، من هنا قال لاحقابان الأرض قرت وظهرت يبوستها شيئاً فشيئاً وحد من حركات الماء حتى سكن وقر في مكانه « وسكنت الأرض مدحوة « 1 » في لجة تياره ، وردت من نخوة بأوه « 2 » واعتلائه ، وشموخ « 3 » أنقه ، وسمو غلوائه « 4 » وكعمته « 5 » على كظة « 6 » جريته « 7 » فهمد « 8 » بعد نزقاته « 9 » ، ولبد « 10 » بعد زيفان « 11 » وثباته « 12 » » ، وهكذا خمدت العواصف الأولى وقطعت الأمطار والسيول ثم هدأت تلك الأمواج ، فتأهبت الأرض لتقبل الحياة عليها ، وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام في المقطع القادم . وهنا لابدّ من القول بانّ بعض شرّاح نهج البلاغة ذهبوا إلى أنّ الماء قد وجد قبل خلق الكرة الأرضية ، إلّاأنّه كما أشير سابقاً أنّ التعبير بالماء يمكن أن يكون إشارة إلى المواد المذابة السيالة التي وجدت قبل ظهور السماء والأرض .
--> ( 1 ) « مدحوة » من مادة « دحو » بمعنى مبسوطة . ( 2 ) « بأو » على وزن نحو الكبر والزهو والفخر . ( 3 ) « شموخ » بمعنى الكبر والغرور . ( 4 ) « غلواء » من مادة غلو النشاط والطموح وتجاوز الحد . ( 5 ) « كعم » من مادة « كعم » على وزن طعم ، كعم البعير شد فاه لئلا يعفى أو يأكل ، وما يشد به كعام . ( 6 ) « كظة » بالكسر ما يعرض من امتلاء البطن بالطعام ، ويراد بها هنا ما يشاهد في جري الماء من ثقل الاندفاع . ( 7 ) « جرية » بمعنى الجريان . ( 8 ) « همد » من مادة « همود » بمعنى اخماد حرارة النار . ( 9 ) « نَزَقات » من مادة « نزق » الخفة والطيش . ( 10 ) « لبد » من مادة « لبود » الوقوف في مكان . ( 11 ) « زيفان » التبختر في المشية . ( 12 ) « وثبات » جمع « وثبة » القفز وقد وردت في العبارة بمعنى حركة الأرض الشديدة في الأيام الأولى .